الشيخ محمد رشيد رضا

524

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قرأ حمزة استهواه بألف ممالة وكانوا يرسمونها ياء كأصلها وان لم تكن طرفا ورسمها في المصحف الامام هكذا ( اسهويه ) وهو يحتمل القراءتين . وتقدير التشبيه في الكلام : أنرد على أعقابنا بعد تلك الهداية مثل رد الذي استهوته الشياطين في الأرض ، أو مشبهين بالذي استهوته الشياطين - الخ . قال أهل اللغة : استهوته الشياطين ذهبت بهواه وعقله ، وقيل استهامته وحيرته ، وقيل زينت له هواه ، ويقال للمستهام الذي استهامته الجن : استهوته الشياطين . القتيبي : استهوته الشياطين - هوت به وأذهبته . جعله من هوى يهوي . وجعله الزجاج من هوي يهوى ، أي زينت له هواه . كذا في لسان العرب وغيره . والمستهام هو الذي جعله العشق أو الجنون هائما أي يسير على وجهه لا يقصد غاية معينة ، وكانت العرب في الجاهلية تزعم أن الجنون كله من تأثير الجن ، والأصل في قولهم : جن فلان - مسته الجن فذهبت بعقله . وكانوا يقولون إن الجن تظهر لهم في البراري والمهامه وتتلون لهم بألوان مختلفة فتذهب بلب من يراها فيهيم على وجهه لا يدري أين يذهب حتى يهلك . والشياطين التي تتلون هي التي يسمونها الغيلان والاغوال والسعالي ( بوزن الصحاري ) . وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر أن رسول اللّه ( ص ) قال « لا عدوى ولا طيرة ولا غول » قال النووي في شرحه : قال جمهور العلماء كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات وهي من جنس الشياطين تتراءى للناس وتتغول تغولا أي تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم فأبطل النبي ( ص ) ذاك . وقال آخرون ليس المراد نفي وجود الغول وانما معناه ابطال ما تزعمه العرب من تلوّن الغول بالصور المختلفة واغتيالها . قالوا ومعنى « لا غول » لا تستطيع أن تضل أحدا . ويشهد له حديث آخر « لا غول ولكن السعالي » قال العلماء : السعالي بالسين المفتوحة والعين المهملتين هم سحرة الجن . أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل ، وفي الحديث الآخر « إذا تغولت الغيلان فنادوا بالاذان » أي ادفعوا شرها بذكر اللّه تعالى . وهذا دليل على أنه ليس المراد نفى أصل وجودها . وفي حديث أبي أيوب : كان لي تمر في سهوة وكانت الغول تجيء فتأكل منه . اه أقول إن هذا الشرح مأخوذ من النهاية لابن الأثير ليس للنووي من التصرف